فصل: الأمير سيف الدين تمراز المؤيدي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة **


وتوفي

 الأمير سيف الدين تمراز المؤيدي

نائب صفد ثم نائب غزة مخنوقًا بسجن الإسكندرية في ثالث عشرين جمادى الآخرة‏.‏

وكان أصله من مماليك الملك المؤيد شيخ وخاصكيته وكان مقربًا عنده ثم تغير عليه لأمر اقتضى ذلك وضربه أخرجه إلى الشام على إقطاع هين بطرابلس‏.‏

ثم نقل بعد موت الملك المؤيد إلى إمرة بدمشق‏.‏

فلما كانت وقعة تنبك البجاسي وافقه على العصيان فلما ظفر الملك الأشرف بالبجاسي فر تمراز هذا واختفى مدة ثم ظفر به وسجن بقلعة دمشق ثم أطلق وأنعم عليه بإقطاع بها ثم نقله الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق ثم أقره في نيابة صفد فلم تشكر سيرته ورمي بعظائم فعزله السلطان وولاه نيابة غزة عوضًا عن يونس الركني وانتقل يونس إلى نيابة صفد‏.‏

فلما ولي غزة أساء السيرة أيضًا وظلم وعسف وأفحش في القتل وغيره فطلبه السلطان إلى الديار المصرية وأمسكه وحبسه بالإسكندرية ثم قتله خنقًا ولا أعرف من أحوال تمراز غير ما ذكرته أنه مذموم السيرة كثير الظلم‏.‏

وتوفي الأمير جانبك بن عبد الله السيفي يلبغا الناصري المعروف بالثور أحد أمراء الطبلخاناه والحاجب الثاني وهو يلي شد بندر جده بمكة في حادي عشر شعبان‏.‏

وكان أميرًا ضخمًا متجملًا في مركبه وملبسه ومماليكه وهو الذي أخرب المسطبة التي كانت ببندر جدة التي كان من طلع عليها واستجار بها لم يؤخذ منها ولو كان ذنبه ما عسى أن يكون حتى ولو قتل نفسًا وطلع فوقها لا يؤخذ منها‏.‏

وكانت هذه العادة قديمة بجدة فأخرب جانبك المذكور المسطبة المذكورة ووقع بينه وبين عرب تلك البلاد وقعة عظيمة قتل فيها جماعة‏.‏

وانتصر جانبك المذكور ومشى له ما قصده من هدم المسطبة المذكورة ومحي أثرها إلى يومنا هذا‏.‏

يرحمه الله تعالى على هذه الفعلة فإنها من أجل الأفعال وأحسنها دنيا وأخرى ولم ينتبه لذلك من جاء قبله من الأمراء حتى وفقه الله تعالى لمحو هذه السنة القبيحة التي كانت ثلمة في الإسلام وأهله‏.‏

قلت‏:‏ كم ترك الأول للآخر‏.‏

وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن خضر بن داؤد بن يعقوب الشهير بالمصري الحلبي الأصل الشافعي أحد موقعي الدست بالقدس الشريف في يوم الأحد النصف من شهر رجب وكان دينًا خيرًا وله رواية عالية بسنن ابن ماجة وحدث وأسمع سنين‏.‏

وتوفي شيخ الإسلام علامة الوجود علاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخاري العجمي الحنفي الإمام العالم الزاهد المشهور في خامس شهر رمضان بدمشق‏.‏

وسماه بعضهم عليًا وهو غلط‏.‏

ومولده في سنة تسع وسبعين وسبعمائة ببلاد العجم ونشأ بمدينة بخارى وتفقه بأبيه وعمه علاء الدين عبد الرحمن وأخذ الأدبيات والعقليات عن العلامة سعد الدين التفتازاني وغيره‏.‏

ورحل في شبيبته في طلب العلم إلى الأقطار واشتغل على علماء عصره إلى أن برع في المعقول والمنقول والمفهوم والمنظوم واللغة العربية وترقى في التصوف والتسليك وصار إمام عصره وتوجه إلى الهند واستوطنه مدة وعظم أمره عند ملوك الهند إلى الغاية لما شاهدوه من غزير علمه وعظيم زهده وورعه‏.‏

ثم قدم إلى مكة المشرفة وقرأ بها مدة ثم قدم إلى الديار المصرية واستوطنها سنين كثيرة وتصدى للإقراء والتدريس‏.‏

وقرأ عليه غالب علماء عصرنما من كل مذهب وانتفع الجميغ بعلمه وجاهه وماله‏.‏

وعظم أمره بالديار المصرية بحيث إنه منذ قدم القاهرة إلى أن خرج منها لم يتردد إلى واحد من أعيان الدولة حتى ولا السلطان وتردد إليه جميع أعيان أهل مصر من السلطان إلى من دونه كل ذلك وهو مكب على الأشغال مع ضعف كان يعتريه ويلازمه في كثير من الأوقات وهو لا يبرح عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام في ذات الله بكل ما تصل قدرته إليه‏.‏

ثم بدا له التوجه إلى دمشق فسار إليها يعد أن سأله السلطان في الإقامة بمصر غير مرة فلم يقبل وتوجه إلى دمشق وسكنها إلى أن مات بها‏.‏

ولم يخلف بعده مثله لأنه كان جمع بين العلم والعمل مع الورع الزائد والزهد والعبادة والتحري في مأكله ومشربه من الشبهة وغيرها وعدم قبوله العطاء من السلطان وغيره وقوة قيامه في إزالة البدع ومخاشنته لعظماء الدولة في الكلام وعدم اكتراثه بالملوك واستجلاب خواطرهم وهو مع ذلك لا يزداد إلا مهابة وعظمة في نفوسهم بحيث إن السلطان كان إذا دخل عليه لزيارته يصير في مجلسه كآحاد الأمراء من حين يجلس عنده إلى أن يقوم عنه والشيخ علاء الدين يكلمه في مصالح المسلمين ويعظه بكلام غير منمق خارج عن الحد في الكثرة والسلطان سامع له مطيع‏.‏

وكذلك لما سافر السلطان إلى آمد أول ما دخل إلى دمشق ركب إليه وزاره وسلم عليه فهذا شيء لم نره وقع لعالم من علماء عصرنا جملة كافية‏.‏

وهو أحد من أدركناه من العلماء الزهاد والعباد رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه وبركته‏.‏

وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة علاء الدين علي بن موسى بن إبراهيم الرومي الحنفي في قدمته الثانية إلى مصر في يوم الأحد العشرين من شهر رمضان بالقاهرة‏.‏

وكان ولي مشيخة المدرسة الأشرفية المستجدة بخط العنبريين بالقاهرة ثم تركها وسافر إلى الروم ثم قدم بعد سنين إلى مصر ثانيًا وأقام بها إلى أن مات‏.‏

وكان بارعًا في علوم كثيرة محققًا بحاثًا إمامًا في المعقول والمنقول‏.‏

تخرج بالشيخين‏:‏ الشريف الخرجاني والسعد التفتازاني إلى أن برع وتصدى للإقراء والتدريس مدة طويلة‏.‏

ووقع له أمور طويلة مع فقهاء الديار المصرية وتعصبوا عليه وهو ينتصف عليهم وأبادهم لأنه كان عارفاص بعلم الجدل‏:‏ كان يلزم أخصامه بأجوبة مسكتة ولهذا حط عليه بعض علماء عصرنا بأن قال‏:‏ كان يفحش في اللفظ ولم ينسبه إلى جهل بل ذكر عنه العلم الوافر والفضل ما شهدت به الأعداء ولا أعلم فيه ما ينقصه غير أنه كان مستخفًا بعلماء مصر لا ينظرأحدًا منهم في درجة الكمال‏.‏

وكان مما يقطع به أخصامه في المباحث أنه كان حضر عدة مباحث بين الخرجاني والتفتازاني وغيرهما من العلماء وحفظ ما وقع بينهم من الأجوبة والأسئلة وصار يسأل الناس بتلك‏.‏

الأسئلة والقوم ليس فيهم من هو في تلك الطبقة فكل من سأله سؤالًا من ذلك وقف وعجز عن الجواب المرضي وقصر فيتقدم عند ذلك الشيخ علاء الدين ويذكر الجواب فيعجب كل أحد‏.‏

وبالجملة فإنه كان عالمًا مفننًا رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي القاضي ناصر الدين محمد بن بدر الدين حسن الفاقوسي الشافعي أحد أعيان موقعي الدست بالديار المصرية في ليلة الاثنين تاسع شوال بالطاعون عن بضع وسبعين سنة وكان حشمًا وقورًا وله فضل وأفضال وحدث سنين وسمع منه خلائق وكان معدودًا من الرؤساء بالديار المصرية‏.‏

وكان مولده بالقاهرة في ليلة الجمعة خامس عشرين صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة‏.‏

والفاقوسي نسبة إلى قرية بالشرقية من أعمال مصر تسمى منية الفاقوس‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين آقبردي بن عبد الله القجماسمي نائب غزة بها‏.‏

وكان أصله من مماليك الأمير قجماس والد إينال باي ترقى بعده إلى أن صار أمير عشرة بمصر ودام على ذلك سنين كثيرة إلى أن ولي نيابة غزة بالبذل بعد أن قبض تمراز المؤيدي فلم تطل مدته ومات‏.‏

وكان تركي الجنس غير مشكور السيرة‏.‏

وتوفي دولات خجا الظاهري والي القاهرة ثم محتسبها بالطاعون في يوم السبت أول ذي القعدة‏.‏

وكان أصله تركي الجنسن من أوباش ممالميك الظاهر برقوق أعرفه قبل أن يلي الوظائف وهو من جملة حرافيش المماليك السلطانية‏.‏

ثم ولاه الملك الأشرف الكشف ببعض الأقاليم فأباد المفسدين وقويت حرمته فمن يومئذ صار ينقله من وظيفة إلى أخرى حتى ولي القاهرة مرتين وعدة أقاليم ثم ولاه حسبة القاهرة‏.‏

وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة في ترجمة الملك الأشرف‏.‏

وفي الجملة أنه كان ظالمًا فاجرًا فاسقًا غشومًا شيخًا جاهلًا ظالمًا خبيثًا عليه من الله ما يستحقه‏.‏

ولولا أنه شاع ذكره لكثرة ولاياته وأرخه جماعة من أعيان المؤرخين ما ذكرته في هذا كتاب ونزهته عن ذكر مثله‏.‏

وتوفي الأمير ثم القاضي صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن ابن نصر الله الفوي الأصل المصري كاتب السر الشريف بالديار المصرية بالطاعون في ليلة الأربعاء خامس ذي القعدة‏.‏

ومولده في شهر رمضان سنة تسعين سبعمائة ونشأ بالقاهرة تحت كنف والده الصاحب بدر الدين وتزيا بزي الجند ولي الحجوبية في دولة الملك الناصر فرج ثم ولي الأستادارية في الدولة المظفرية ثم عزل ثم أعيد إليها بعد سنين ثم عزل بأبيه وصودر ولزم داره سنين طويلة هو ووالده إلى أن ولاه الملك الأشرف بعد سنة خمس وثلاثين حسبة القاهرة‏.‏

وأخذ صلاح الدين بعد ذلك يتقرب بالتحف والهدايا للسلطان ولخواصه إلى أن اختص به ونادمه وصار يبيت عنده في ليالي البطالة بالقلعة‏.‏

وحج أمير الركب الأول وعاد فولاه كتابة السر على حين غفلة بعد عزل القاضي محب الدين محمد بن الأشقر من غير سعي في يوم الخميس ثاني عشرين ذي الحجة سنة‏.‏

أربعين وثمانمائة‏.‏

وترك زي الجند ولبس زي الفقهاء وصار يدعى بالقاضي بعد الأمير فباشر كتابة السر بحرمة وافرة وعظم في الدولة فلم تطل أيامه ومات في حياة والده واستقر والده عوضه في كتابة السر‏.‏

وكان صلاح الدين حشمًا متواضعًا كريمًا يكتب المنسوب إلا أنه كان من الكذبة الذين يضرب بكذبهم المثل‏.‏

يحكى عنه من ذلك أشياء كثيرة ورأيت أنا منه نوعًا غير أن الذي حكي لي عنه أغرب‏.‏

وقد جربت أنا كذبه بأنه لا يضر ولا ينفع وهو أن غالب كذبه كان على نفسه فيما وقع له قديمًا وحديثًا فهذا شيء لا يضر أحدًا ولعل الله أن يسامحه في ذلك‏.‏

وتوفي الشهابي أحمد بن علي ابن الأمير سيف الدين قرطاي بن عبد الله سبط بكتمر الساقي بالطاعون في ليلة الاثنين عاشر ذي القعدة‏.‏

ومولده في يوم الأحد ثالث عشرين شعبان سنة ست وثمانين وسبعمائة بالقاهرة‏.‏

ومات ولم يخلف بعده مثله في أبناء جنسه لفضائل جمعت فيه من حسن كتابة ونظم القريض وحلو محاضرة وجودة مذاكرة وكان سمينًا جدًا لا يحمله إلا الجياد من الخيل رحمه الله تعالى‏.‏

ومن شعره‏:‏ المجتث

حبي المعذر وافى ** من بعد هجر بوصل

وقال‏:‏

صف لي عذاري ** فقلت‏:‏ ياحب نملي

وله أيضًا في مليح يسمى خصيب‏:‏ الطويل

رعى الله أيام الربيع وروضها ** بها الورد يزهو مثل خد حبيبي

وإني وحق الحب ليس ترحلي ** سوى لمكان ممرع وخصيب

وتوفي الأمير إسكندر بن قرا يوسف صاحب تبريز مشتتًا عن بلاده بقلعة ألنجا ذبحه ابنه شاه قوماط في ذي القعدة خوفًا من شره وملك بعده البلاد أخوه جهان شاه بن قرا يوسف‏.‏

وكان شجاعًا مقدامًا قويًا في الحروب أباد قرايلك في مدة عمره وتقاتل مع شاه رخ بن تيمورلنك غير مرة وهو ينهزم على أقبح وجه‏.‏

وكان إسكندر أيضًا على قاعدة أولاد قرا يوسف‏:‏ لا يتدين إلا أنه كان أحسن حالًا من أخويه شاه محمد وأصبهان وقد مر من ذكر إسكندر هذا وإخوته جملة كبيرة تعرف منها أحوالهم‏.‏

وتوفي نور الدين علي بن مفلح وكيل بيت المال وناظر البيمارستان المنصوري في يوم الجمعة ثاني عشرين ذي القعدة بالطاعون‏.‏

وكان معدودًا من بياض الناس وله ترداد إلى الرؤساء غير أنه كان عاريًا من العلوم‏.‏

وتوفي الأمير الكبير سودون بن عبد الرحمن نائب الشام ثم أتابك العساكر بالديار المصرية بطالًا بثغر دمياط في يوم السبت العشرين من ذي الحجة‏.‏

لم يخلف بعده مثله حشمة ورئاسة وعقلًا وتدبيرًا وشكالة‏.‏

وقد مر من ذكره في واقعة الأمير قاني باي نائب الشام في الدولة المؤيدية أنه كان نائب طرابلس ووافق قاني باي المذكور وانهزم بعد قتل قاني باي إلى قرا يوسف بالشرق وأنه كان ولي نيابة غزة في الدولة الناصرية فرج وتقدمة ألف بالقاهرة وأنه قدم على الأمير ططر بعد موت المؤيد‏.‏

واستقر بعد سلطنة الملك الأشرف دوادارًا كبيرًا عوضًا عن الأشرف المذكور‏.‏

ثم نقل إلى نيابة دمشق بعد عصيان تنبك البجاسي فدام مدة يسيرة‏.‏

ثم نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية عوضًا عن جارقطلو بحكم انتقال جارقطلو إلى نيابة دمشق عوضه‏.‏

ثم مرض وطال مرضه إلى أن أخرج عنه السلطان إقطاعه وعزله عن الأتابكئة‏.‏

ثم سيره بعد مدة أشهر إلى ثغر دمياط بطالًا فدام به إلى أن مات‏.‏

وكان أجل المماليك الظاهرية برقوق وهو أحد من أدركناه من ضخماء الملوك وعظمائهم مع حسن الشكالة والزي البهيج رحمه الله تعالى‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة وعشرون إصبعًا‏.‏

مبلغ الزيادة عشرون ذراعًا وخمسة عشر إصبعًا‏.‏

انتهى الجزء الرابع عشر من النجوم الزاهرة سلطنة العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباي الدقماقي على مصر السلطان الملك العزيز جمال الدين أبو المحاسن يوسف ابن السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبي نصر برسباي الدقماقي الظاهري الجاركسي التاسع من ملوك الجراكسة وأولادهم والثالث والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية‏.‏

تسلطن بعد موت أبيه بعهد منه إليه في آخر يوم السبت ثالث عشر في الحجة قبل غروب الشمس بنحو ساعة ولبس خلعة السلطنة من باب الستارة بقلعة الجبل وقد تكامل حضور الخليفة والقضاة والأمراء وأعيان الدولة وبايعه الخليفة المعتضد بالله داؤد وفوض عليه خلعة السلطنة السواد الخليفتي وركب من باب الستارة وجميع الأمراء مشاة بين يديه حتى نزل على باب القصر السلطاني من قلعة الجبل ودخل إليه وجلس على سرير الملك وعمره يومئذ أربع عشرة سنة وسبعة أشهر‏.‏

وقبل الأمراء الأرض بين يديه على العادة ونودي بسلطنته بالقاهرة ومصر‏.‏

ثم أخذ الأمراء في تجهيز والده فجهز وغسل وكفن وصلي عليه ودفن بالصحراء حسبما ذكرناه في ترجمته‏.‏

ولقبوه بالملك العزيز وتم أمره في الملك ودقت الكوسات بالقلعة‏.‏

وكان خليفة الوقت يوم سلطنته المعتضد بالله داؤد العباسية والقضاة‏:‏ قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر الشافعي وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي وقاضي القضاة شمس الدين محمد البساطي المالكي وقاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي‏.‏

ومن الأمراء أصحاب الوظائف من المقدمين وغالبهم كان مجردًا بالبلاد الشامية‏.‏

فالذين كانوا بالديار المصرية‏:‏ الأمير الكبير أتابك العساكر جقمق العلائي والأمير قراخجا الحسني والأمير تنبك من بردبك الظاهري والأمير تغري بردي البكلمشي المعروف بالمؤذي‏.‏

والذين كانوا بالتجريدة بالبلاد الشامية‏:‏ مقدم العساكر الأمير قرقماس الشعباني الناصري أمير سلاح وآقبغا التمرازي أمير مجلس وأركماس الظاهري الدوادار الكبير وتمراز القرمشي الظاهري رأس نوبة النوب وجانم الأشرفي الأمير آخور الكبير ويشبك السودوني حاجب الحجاب وخجا سودون السيفي بلاط الأعرج وقراجا الأشرفي لتتمة ثمانية من مقدمي الألوف‏.‏

فجملة الحاضرين والمسافرين ثلاثة عشر أميرًا من المقدمين‏.‏

وأما من كان من أصحاب الوظائف من أمراء الطبلخاناه والعشرات‏:‏ فشاد الشراب خاناه عظيم المماليك الأشرفية إينال الأبو بكري الأشرفي الفقيه العالم ونائب القلعة تنبك السيفي نوروز الخضري المعروف بالجقمقي كلا شيء والحاجب الثاني أسنبغا الناصري المعروف بالطياري والزرد كاش تغري برمش السيفي يشبك بن أزدمر فهؤلاء وإن كانوا أمراء طبلخاناه وعشرات فمنازلهم منازل مقدمي الألوف لأن الأعصار الخالية كان لا يلي كل وظيفة من هذه الوظائف إلا مقدم ألف ويظهر ذلك من لبسهم الخلع في المواسم وغيرها وكان الدوادار الثاني تمرباي السيفي تمربغا المشطوب ورأس نوبة ثاني طوخ من تمراز الناصري والأمير آخور الثاني يخشباي المؤيدي ثم الأشرفي والخازندار علي باي الساقي الأشرفي وهو أمير عشرة وأستادار الصحبة مغلباي الجقمقي أمير عشرة والزمام الطواشي الحبشي جوهر الجلباني اللالا والخازندار الطواشي الحبشي جوهر القنقبائي أمير عشرة أيضًا ومقدم المماليك الطواشي الرومي خشقدم اليشبكي أمير طبلخاناه ونائبه فيروز الركني أمير عشرة‏.‏

ومباشرو الدولة‏:‏ كاتب السر الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله الفوي وناظر الجيش زين الدين عبد الباسط بن خليل الدمشقي والوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ وناظر الخاص الشريف الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم والأستادار جانبك مملوك عبد الباسط صورة - ومعناها أستاذه عبد الباسط ولولا مخافة أن أتهم بالنسيان لوظيفة كالأستادارية ما ذكرناه هنا - ومحتسب القاهرة القاضي الإمام نور الدين علي السويفي أحد أئمة السلطان ووالي القاهرة عمر الشوبكي‏.‏

ومن عاصره من ملوك الأقطار وأمراء الحجاز ونواب البلاد الشامية وغيرها‏:‏ فممالك العجم بيد القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك وهو صاحب خراسان وجرجان وخوارزم وما وراء النهر ومازندران وجميع عراق العجم وغالب ممالك الشرق إلى دلي من بلاد الهند وإلى حدود أذربيجان التي كرسيها مدينة تبريز وصاحب تبريز يومذاك إسكندر بن قرا يوسف وقد تشتت عنها منهزمًا من شاه رخ وقتل في هذه السنة أخوه أصبهان بن قرا يوسف صاحب بغداد وغالب عراق العرب وقد خربت تلك الممالك في أيامه وأيام أخيه شاه محمد وملوك ديار بكر بن وائل عدة كبيرة فصاحب ماردين وآمد وأرزن وأرقنين وغيرهم أولاد قرايلك وحصن كيفا بيد الملك الكامل صلاح الدين خليل الأيوبي وقلعة أكل بيد دولات شاه الكردي والجزيرة بيد عمر البختي وإقليم شماخي بيد السلطان خليل والروم بيد ثلاثة ملوك أعظمهم السلطان مراد بك بن محمد بن عثمان صاحب برصا وأدرنابولي وغيرها‏.‏

وبجانب آخر‏:‏ إسفنديار بن أبي يزيد وباقي أطراف الروم مع السلطان إبراهيم بن قرمان مثل لارندة وقونية وغيرهما وبلاد المغرب‏:‏ فصاحب تونس وبجاية وبلاد إفريقية أبو عمرو عثمان بن أبي عبد الله محمد ابن مولاي أبي فارس عبد العزيز الحفصي وبلاد تلمسان والغرب الأوسط‏:‏ أبو يحيى بن أبي حمود وبممالك فاس ثلاثة ملوك‏:‏ أعظمهم صاحب فاس وهو أبو محمد عبد الحق بن عثمان بن أحمد بن إبراهيم ابن السلطان أبي الحسن المريني وملك أندلس أبو عبد الله محمد بن الأيسر ابن الأمير نصر ابن السلطان أبي عبد الله بن نصر المعروف بابن الأحمر صاحب غرناطة‏.‏

وصاحب مكة المشرفة زين الدين أبو زهير بركات بن حسن بن عجلان الحسيني وأمير المدينة الشريف إميان بن مانع بن علي الحسيني وأمير الينبوع الشريف عقيل بن وبير بن نخبار‏.‏

وببلاد اليمن‏:‏ الظاهر يحيى ابن الملك الأشرف إسماعيل من بني رسول وهو صاحب تعز وعدن وزبيد وما والاها وصاحب صنعاء وبلاد صعدة الإمام صلاح الدين محمد وبلاد الفرنج ست عشرة مملكة يطول الشرح في تسميتها وببلاد الحبشة‏:‏ الحطي الكافر ومحاربه ملك المسلمين شهاب الدين أحمد بدلاي ابن السلطان سعد الدين أبي البركات محمد بن أحمد بن علي بن ناصر الدين محمد بن دلحوي بن منصور بن عمر بن ولسمع الجبرتي الحنفي‏.‏

ونواب البلاد الشامية‏:‏ نائب دمشق الأتابك إينال الجكمي ونائب حلب حسين بن أحمد البهسني المدعو تغري برمش ونائب طرابلس جلبان الأمير آخور وفي معتقده أقوال كثيرة ونائب حماة قاني باي الحمزاوي ونائب صفد إينال العلائي الناصري أعني السلطان الملك الأشرف إينال ونائب غزة آقبردي القجماسي ومات بعد أيام ونائب الكرك خليل بن شاهين ونائب القدس طوغان العثماني ونائب ملطية حسن بن أحمد أخو نائب حلب وحسن الأكبر - انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وفائدة ما ذكرناه هنا من ذكر أصحاب الوظائف من الأمراء وغيرهم يظهر بتغيير الجميع وولاية غيرهم بعد مدة يسيرة في أوائل سلطنة الملك الظاهر جقمق لتعلم تقلبات الدهر وأن الله على كل شيء قدير‏.‏

وأما ذكر ملوك الأطراف وغيرهم فهو نوع استطراد لا يخلو من فائدة وليس فيه خروج مما نحن بصدده - انتهى‏.‏

ولما تم أمر السلطان الملك العزيز ونودي بسلطنته وبالنفقة على المماليك السلطانية في يوم الاثنين خامس عشر ذي الحجة لكل مملوك مائة دينار سكن قلق الناس وسروا جميعًا بولايته ولم يقع في ذلك اليوم هرج ولا فتنة ولا حركة واطمأنت الناس وباتوا على ذلك وأصبحوا في بيعهم وشرائهم غير أن المماليك صاروا فرقًا مختلفة والقالة موجودة بينهم في الباطن‏.‏

ولما كان يوم الأحد رابع عشر ذي الحجة حضر الأمراء والخاصكية للخدمة بالقصر على العادة وأنعم السلطان الملك العزيز على الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله بجزيرة الصابوني زيادة على ما بيده وكتب إلى البلاد الشامية وجميع المماليك بسلطنته‏.‏

ثم في يوم الاثنين ابتدأ السلطان بنفقة المماليك السلطانية بعد أن جلس بالمقعد الملاصق لقاعة الدهيشة المطل على الحوش السلطاني وبجانبه الأمير الكبير جقمق العلائي وبقية الأمراء‏.‏

وشرع السلطان في دفع النفقة إلى المماليك السلطانية لكل واحد مائة دينار كبيرهم وصغيرهم وجليلهم وحقيرهم بالسوية فحسن ذلك ببال الناس وكثر الدعاء للسلطان وعطفت القلوب على محبته‏.‏

ثم عين للتوجه إلى البلاد الشامية للبشارة الأمير إينال الأحمدي الظاهري الفقيه أحد أمراء العشرات ورأس نوبة وعلى يده مع البشائر كتب للأمراء المجردين بالبلاد الشامية تتضمن موت الملك الأشرف وسلطنة ولده الملك العزيز هذا‏.‏

ثم قدم رسول الأمير حمزة بن قرايلك صاحب ماردين وأرزن وصحبته شمس الدين القلمطاوي ومعهما هدية وكتاب يتضمن دخول حمزة المذكور في طاعة السلطان وأنه أقام الخطبة وضرب السكة إلى السلطان ببلاده وأنه صار من جملة نواب السلطان وكان الأمراء المجردون كاتبوه في دخوله في طاعة السلطان فأجاب وفي جملة الهدية دراهم ودنانير بسكة السلطان الملك الأشرف برسباي فخلع على قاصده وأكرمه‏.‏

ثم خلع السلطان في يوم الثلاثاء سادس عشر ذي الحجة على الأمير طوخ مازي الناصري - ثاني رأس نوبة - باستقراره في نيابة غزة بعد موت آقبردي القجماسي‏.‏

كل ذلك والسلطان يطيل السكوت في المواكب السلطانية ولا يتكلم في شيء من الأمور‏.‏

وصار المتكلم في الدولة ثلاثة أنفس‏:‏ الأمير الكبير جقمق العلائي والأمير إينال الأبو بكري الأشرفي شاد الشراب خاناه والزيني عبد الباسط ناظر الجيش فمشى الحال عل ذلك أيامًا‏.‏

فلما كان يوم السبت العشرين من ذي الحجة وقع بين الأمير إينال الأبوبكري المذكور وبين جكم الخاصكي - خال الملك العزيز - مفاوضة آلت إلى شر وابتدأت الفتنة من يومئذ وعظم الأمر بينهما من له غرض في إثارة الفتن لغرض من الأغراض‏.‏

وكان سبب الشر إنكار جكم على إينال لتحكمه في الدولة وأمره ونهيه وكونه صار يبيت بالقلعة‏.‏

فغضب إينال أيضًا ونزل إلى داره ومال إليه جماعة كبيرة من إنياته بطبقة الأشرفية‏.‏

ثم نزل عبد الباسط إلى داره من الخدمة فتجمع عليه جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية وأحاطوا به وأوسعوه سبًا وربما أراد بعضهم ضربه والاخراق به لولا ما خلصه بعض من كان معه من أمراء المؤيدية بأن تضرع للمماليك المذكورين ووعدهم بعمل المصلحة حتى تفرقوا عنه وتوجه إلى داره على أقبح وجه‏.‏

واستمر من هذا اليوم الكلمة مختلفة وأحوال الناس متوقفة وصار كل من المماليك الأشرفية يريد أن يكون هو المتكلم في الدولة ويقدم إنياته ويجعلهم خاصكية‏.‏

كل ذلك والأمير الكبير جقمق سامع لهم ومطيع وصار يدور معهم كيف ما أرادوا وإينال المشد يزداد غضبه ويكثر من القالة لتحكم جكم في الباطن والشر ساكن في الظاهر والمملكة مضطربة ليس للناس فيها من يرجع إلى كلامه‏.‏

فلما كان يوم السبت سابع عشرين ذي الحجة أنعم السلطان الملك العزيز على الأتابك جقمق العلائي بإقطاعه الذي كان بيده في حياة والده بعد أن سأل السلطان الأتابك جقمق في ذلك غير مرة وأنعم بإقطاع الأتابك جقمق على الأمير تمراز القرمشي رأس نوبة النوب وهو أحد الأمراء المجردين إلى البلاد الشامية وأنعم بإقطاع تمراز المذكور على تمرباي التمربغاوي الدوادار الثاني والجميع تقادم ألوف لكن التفاوت في كثرة الخراج وزيادة المغل في السنة‏.‏

وأنعم بإقطاع تمرباي المذكور على الأمير علي باي الأشرفي الساقي الخازندار وأنعم بإقطاع طوخ مازي الناصري - المنتقل إلى نيابة غزة قبل تاريخه - على الأمير يخشباي الأشرفي الأمير آخور الثاني وأنعم بإقطاع يخشباي المذكور على الأمير يلخجا من مامش الساقي الناصري رأس نوبة والجميع أيضًا طبلخاناه‏.‏

وأنعم بإقطاع يلخجا الساقي على السيفي قاني باي الجاركسي وصار أمير عشرة بعد أن جهد الأتابك جقمق في أمره وسعى في ذلك غاية السعي وأرسل بسببه إلى عبد الباسط وإلى الأمير إينال المشد غير مرة حتى تم له ذلك‏.‏

وخلع السلطان على الأمير إينال الأبوبكري المشد باستقراره دوادارًا ثانيًا عوضًا عن تمرباي كل ذلك والقالة موجوعة بين جميع العساكر ظاهرًا وباطنًا‏.‏

ثم أصبح من الغد في يوم الأحد خلع السلطان على الأمير علي باي الخازندار باستقراره شاد الشراب خاناه عوضًا عن إينال الأبو بكري‏.‏

ثم في يوم الاثنين استقر دمرداش الأشرفي أحد أصاغر المماليك الأشرفية والي القاهرة عوضًا عن عمر الشوبكي‏.‏

وانفض الموكب ونزل الأتابك إلى جهة بيته‏.‏

فلما كان في أثناء الطريق اجتمع عليه جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية وطلبوا منه أرزاقًا فأوعدهم وخادعهم وتخلص منهم فتوجهوا إلى الزيني عبد الباسط ناظر الجيش فاختفى منهم وقد صار في أقبح حال منذ مات الملك الأشرف من الذلة والهوان ومما داخله من الخوف من المماليك الأشرفية من كثرة التهديد والوعيد وقد احتار في أمره وهم على الهروب غير مرة‏.‏